الذهبي

88

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

الرئيس والقُشيري ، فأبى ، وبرز برجاله ، وقصد محلّة أبي سهل ، فقام واحد من أعوان أبي سهل واستدعى منه كفاية تلك النّائرة إيّاه وأصحابه ، فأذِن لهم ، فالتقوا في السُّوق ، وثبُت هؤلاء حتى فرغ نشاب أولئك ، ثم حمل هؤلاء عليهم فهزموهم إلى رأس المربَّعة ، وهمُّوا بأسر الأمير ، وسبّوه وردّوه مجروحًا أكثر رجاله ، مقتولًا منهم طائفة ، مسلوبًا سلاح أكثرهم . ثمّ توسَّط السَّادة العلويّة ، ودخلوا على أبي سهل في تسكين الفتنة ، وأخرجوا الْإِثنين من الحبس إلى داره ، وباتوا على ظَفَر ، وأحبَّ الشّافعيَّة أبا سهل . ثمَّ تشاور الأصحاب بينهم ، وعلموا أن مخالفة السُّلطان قد يكون لها تَبِعَة ، وأنّ الخصوم لَا ينامون ، فاتّفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية أَسْتُوا ، ثُمَّ يذهبون إلى الملك . وبقي بعض الأصحاب بالنواحي متفرقين وذهب أبو سهل إلى العسكر بالري ، وخرج خصمه من الجانب الآخر ، وتوافيا بالري وأنهي إلى السلطان ما جرى ، وسعي بأصحاب الشافعي والإمام أبي سهل وجرت مناظرات ، وحُبِس أبو سهل في قلعة طورك أشْهُرًا ، ثمّ صودِرً وأُبِيعتْ ضِيَاعُهُ ، ثم عُفي عنه ، وأُحيل ببعض ما أُخذ منه ، ووُجّه إليها ، فخرج إلى فارس ، وحصَّل شيئًا من ذلك ، وقصد بيت اللَّه فحجَّ ورجع ، وحسُن حاله عند السُّلطان ، وأذِن له في الرُّجوع إلى خُراسان ، وأتى على ذلك سُنون إلى أن تبدَّل الأمر ، ومات السُّلطان طُغرلبك ، وتسلطن أبو شجاع ألْبُ أرسلان ، فحظي عنده . ووقع منه موقعًا أرفع مِمَّا وقع أبوه من طُغرلبك ، ولاح عليه أنَّهُ يستوزِره ، فقُصد سرًا ، واحتيل في إهلاكه ، ومضى إلى رحمة اللَّه في هذا العام ، وحُمل تابوته إلى نَيْسَابور ، وأظهر أهلها عليه من الجَزَع ما لم يُعهَد مثله ، وبقيت النّوائح عليه مُدَّة بعده . وكانت مراثيه تُنْشَد في الأسواق والَأزِقّة ، وبقيت مُصيبته جرْحا لَا يندمِل ، وأفضت نوبة القبول بين العوام إلى نجله ولم يبق سواه أحد من نسله . وكان إذا حضر السلطان البلد يقدِّم له أبو سهل وللَأمراء من الحلواء والَأطعمة المُفتخرة أشياء كثيرة بحيث يتعجَّب السُّلطان والَأعوان . ولقد دخل إليه يوم تلك الفِتنة زوج أخته الشَّريف أبو محمد الحسن بن زيد شفيعًا في تسكين النَّائِرة ، فنثر على أقدامه ألف دينار ، واعتذر بأنّه فاجأه بالدخول .